|
مكتبــة الموقــع |
|
تقارير ودراسات
|
أصحاب همم عالية وإرادة لا تقهر ..
إنهم أبطال بلدية غزة
غزة- بقلم : محمد صلاح الحجار
التاريخ : 10/6/2008
هل
تتخيل نفسك مربوطاً بحبل يتدلى بك إلى قعر حفرة
بعمق ستة أمتار في باطن الأرض ، لتسبح وحيداً دون
رفيق ، وسط نهر جارف من المياه العادمة (المجاري)
، وأكوام متكدسة من مخلفات الصرف الصحي الصلبة
والسائلة ، المشبعة بما هب ودب من أنواع الحشرات
والجراثيم ، في جو حار وظلام دامس وهواء ملوث ؟؟!!
لا
شك بأن خوض تلك التجربة المرعبة ولو لمرة واحدة
فقط لا تروق لأي إنسان مهما بلغت قوة صبره وتحمله
، بينما هنالك من يفعلون ذلك مراراً وتكراراً
يومياً على مدار العام ، لا يكلون ولا يملون ،
ينتشلون الترسبات والقاذورات المتراكمة في أعماق
المناهل والتي لو تركت لأغلقت الشبكات الخاصة
بمياه تصريف الأمطار والمياه العادمة ، وغرقت
شوارع مدينة غزة بمياه المجاري.
إنهم عمال بلدية غزة العاملون في قسم شبكات الصرف
الصحي بجوار إخوانهم في الأقسام الأخرى ، أبناء
غزة الأوفياء ، جنودُ مجهولون ، مغيبو الصوت
والصورة ، مرابطون في ثغورهم ومواقع أعمالهم ،
قائمون بما لا يجرؤ على إتيانه أحد ، غير آبهين
بمجدٍ أو بشهرة زائلة ، لا
تمنعهم أعياد أو عطل من
الخروج إلى العمل ، محتاجون للرعاية والاهتمام
أكثر من أي فئة أخرى. وعلى الرغم من المخاطر
والمصاعب التي يتكبدونها ، إلا أنهم مهمشون ، قليل
منا من يدرك مشاكلهم ، ويشعر بآلامهم ، أو يقدّر
خدماتهم الجليلة ، أو يثني على مجهوداتهم العظيمة
، لا يألون جهداً في خدمة الوطن وأبنائه والحفاظ
على صحة أطفاله من الأمراض والأوبئة ، يقومون بسحب
وانتشال حوالي أربعة أطنان يوميا من الأوساخ من
مناهل الصرف الصحي . لقد عايشنا تجاربهم المخيفة
لحظة بلحظة حتى استحقوا عليها بجدارة لقب " أبطال
البلدية ".
صمود وتحدى
في
لقاء مع أحد العمال سألناه عن شعوره وهو يهوي إلى
قاع بئر سحيق فأجاب : " إنه يشبه الدخول إلى قبر ،
بالكاد أتنفس ، ولكنى بمجرد أن أنتشل القمامة
والأوساخ ويسحبني زملائي إلى فوهة البئر أشير
إليهم بإنزالي مرة أخرى حتى أتمكن من تنظيف المزيد
من هذه الشوائب ، إنه عمل شاق وخطير ، نحن نرى
الموت في اليوم ألف مرة ، ولكن كل شيء يهون في
سبيل المحافظة على مدينتنا وجعلها نظيفة وجميلة ".
عامل آخر كان قد انتهى لتوه من تجهيز نفسه للنزول
، نظر إلينا مبتسماً وهو يقول: " سنتحدى الحصار
ونعمل كل جهدنا للحفاظ على مدينتنا من التلوث ، لن
يتمكنوا من القضاء علينا أبداً .. أبداً .." ،
أكمل جملته وصوته يخفت شيئاً فشيئاً ولم نعد نسمعه
أو نراه.
عمل دؤوب
فرقة
أخرى من فرق أبطال البلدية ، متخصصة بتجميع
النفايات الصلبة والتخلص منها ، توصل الليل
بالنهار ، وتتعاون فيما بينها بكل جد واجتهاد ،
ينتشرون في شوارع وأزقة وطرقات مدينة غزة ، لا
يثنيهم لهيب الشمس الحارقة ، ولا تضعف عزيمتهم
العواصف الرعدية ولا الأجواء الماطرة ، تراهم
مقبلين غير مدبرين ، يمتشقون المكانس وأدوات
التنظيف ، ويدفعون عربات القمامة أمامهم ، يدوون
كخلية نحل يجمعون النفايات من الزوايا المجهولة
والأركان المخفــية ، وينقلونها إلى الحاويات
المخصصة بانتظار سيارات النظافة التابعة للبلدية
لتفريغها من حمولتها ونقلها بعيداً عن أعين وأنوف
الكبار والصغار ، يلبسون زياً موحداً يغلب عليه
اللون الأصفر البراق والذي يبرز جمال هؤلاء
الأشخاص ، صانعاً منهم سيمفونية جميلة تعمل في
تعاون وانسجام وإخلاص.
مصاعب وأخطار
ولا ننسى أبدا فرقة الطوارئ والإنقاذ ، تجدهم
أينما وجد الموت والدمار والخراب الذي تنتجه
يومياً آلة الحقد الصهيونية المعبأة بالنوايا
السيئة تجاه شعبنا الفلسطيني ، تجدهم سباقين إلى
الحدث جنودا أوفياء أقوياء لا يخيفهم قصف الطائرات
ولا هدير الدبابات ولا أزيز الرصاص ، في كل توغل
صهيوني غادر تراهم على أهبة الإستعداد ينتظرون
الإشارة للإنطلاق إلى ميدان العمل وتقديم العون
والمساعدة لكل ملهوف دمر بيته أو جرفت أرضه أو حرق
مصنعه.
بين أنقاض المباني وركام البيوت وأشلاء الشهداء
تراهم ، يتفانون في إزالة الركام وانتشال الضحايا
وإنقاذ الجرحى ، يعرضون أنفسهم دوماً للموت المحقق
، ضمن مسلسل العمل اليومي الخاص بهم ، وكم منهم
كاد أن يفقد حياته تحت منزل آيل للسقوط ، أوفي قصف
متكرر لمكان تواجدهم. تبرز جرافاتهم ليل نهار تفتح
الطرقات وتزيل الحواجز والسدود وتسهل مهمة سيارات
الإسعاف وملائكة الرحمة واضعين نصب أعينهم تقليل
حجم الخسائر ، والتخفيف عن المواطنين قدر الإمكان.
إنهم الجنود المنسيون ،
لا
يشتكون ولا يحتجون ، ولكنهم
يستحقون منا كل تقدير وتكريم واحترام ، فهلا وقفنا
مع هؤلاء الأبطال ولو بالكلمة ، وقفة تشجيع ودعم
معنوي ، كيف لا وهم يضحون من أجل راحتنا ، ويسهرون
ونحن في أعماق نومنا ، فمهما فعلنا لأجلهم لن
نوفيهم ولو جزءاً بسيطاً من حقهم علينا.
|